سهيلة عبد الباعث الترجمان

240

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ولم يقتصر الأمر على اختلاف الوجود عن الموجود ، بل يمتد ذلك إلى مراتب الوجود فهي تختلف باختلاف الموجود ، فلكل وجود عنده مرتبة ، وهذه المراتب للأشياء أربعة : وجود في العلم ، ووجود في العين ، ووجود في الكلام ، ووجود في الرقم . « 1 » كما أن للعالم بجملته أيضا مرتبة عند اللّه ، فإن اللّه لم يخلق العالم لحاجة كانت له إليه ، وإنما خلقه دليلا على معرفته ليكمل بذلك ما نقص من مرتبة الوجود ، والمقصود من ذلك أن تكمل بوجود هذه المرتبة وجود العالم وما خلق اللّه من العلم باللّه لما أعطاه التقسيم العقلي « 2 » . إذ أن العقل والحقيقة تقسم الوجود إلى ما له أول وما لا أول له ، وهو كمال الوجود ، فإذا كان ما لا أول له موجودا وهو اللّه تعالى ، والذي لم يكن ثم كان ويقبل الأولية الحادثة ليس بموجود ، فما كمل الوجود ما لم يكن هذا موجودا ، لذلك قال تعالى لبعض أنبيائه وقد سأله عن الخلق فقال : " كنت كنزا مخفيا لم أعرف ، فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق فبي عرفوني " « 3 » . فالارتباط بين هذين الموجودين هو ارتباط المحدث بالقديم على الوجه الذي يليق بالجلال ، فتجلى الحق سبحانه بنفسه لنفسه بأنوار السبحات الوجهية من كونه عالما مريدا ، فظهرت الأرواح المهيمة بين الجلال والجمال « 4 » . وهكذا " فإن الكائنات بأسرها ما وجد منها وما لم يوجد بعد ، مستندة إلى الحق تعالى علة وجودها ، فلزم من ذلك أن تكون قائمة بأمره تعالى ، وهي مترتبة في الوجود ، فالسابق منها يسمى سببا والمسبوق مسببا " « 5 » فابن عربي كما يبدو لنا لم يمزج بين فكرة الوجود بمعانيه المختلفة ، بل صرّح بأن هناك وجودا أول ووجودا ثان ، ولكنه ميّز بين هذين الوجودين أي الوجود بمعنى " اللّه " والوجود بمعنى " الموجود الكوني " .

--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب الأزل ، ( رسائل ) ، الجزء الأول ، الطبعة الأولى ، حيدر أباد الدكن ، 1367 ه / 1948 م ، ص . ص 8 - 9 . ( 2 ) ابن عربي ، عقلة المستوفز ، ليدن ، سنة 1336 ه ، ص 47 وما بعدها . ( 3 ) الحديث : سبق تخريجه . ( 4 ) ابن العربي ، الفتوحات المكية ، الجزء الثاني ، ص 887 . ( 5 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 887 .